ابن كثير
242
السيرة النبوية
قلت : ويحتمل أن يكونا جميعا اقتفيا الأثر . والله أعلم . * * * وقد قال الله تعالى : " إلا تنصروه فقد نصره الله ، إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار ، إذ يقول لصاحبه : لا تحزن إن الله معنا . فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها ، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ، والله عزيز حكيم ( 1 ) " . يقول تعالى مؤنبا لمن تخلف عن الجهاد مع الرسول : " إلا تنصروه " أنتم فإن الله ناصره ومؤيده ومظفره ، كما نصره " إذ أخرجه الذين كفروا " من أهل مكة هاربا ليس معه غير صاحبه وصديقه أبى بكر ليس غيره . ولهذا قال " ثاني اثنين إذ هما في الغار " أي وقد لجئا إلى الغار فأقاما فيه ثلاثة أيام ليسكن الطلب عنهما . وذلك لان المشركين حين فقدوهما كما تقدم ذهبوا في طلبهما كل مذهب من سائر الجهات ، وجعلوا لمن ردهما ، أو أحدهما مائة من الإبل ، واقتصوا آثارهما حتى اختلط عليهم ، وكان الذي يقتص الأثر لقريش سراقة بن مالك بن جعشم كما تقدم ، فصعدوا الجبل الذي هما فيه ، وجعلوا يمرون على باب الغار ، فتحاذي أرجلهم لباب الغار ولا يرونهما ، حفظا من الله لهما . كما قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا همام ، أنبأنا ثابت ، عن أنس بن مالك ، أن أبا بكر حدثه ، قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار : لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه .
--> ( 1 ) سورة التوبة : 40 .